إنتاج كتابي القطّ الجريح

إنتاج كتابي القطّ الجريح

فِي يَوْمٍ مِنْ أيّامِ  فَصْلِ الشّتَاءِ البَارِدَةِ  ، وَبَيْنَمَا كُنْتُ أجُرُّ خُطَايَ عَائِداً مِنَ المَدْرَسَةِ مُثْقَلاً بِالتّعَبِ ، اِسْتَوْقَفَنِي ظِلٌ ضَئِيلٌ يَتَحَرّك بِوَهَنٍ قُرْبَ شَجَرَةٍ. اِقْتَرَبْتُ بِحَذَرٍ، فَإذَا بِي أمَامَ قِطٍّ صَغِيرٍ مُمَدّدٍ عَلَى الأرْضِ، قَدْ نَالَ مِنْهُ الجُوعُ حَتّى بَرُزَتْ عِظَامُهُ، وَغَطّى الغُبَارُ وَبَرَهُ المُتّسِخَ . كَانَتْ عَيْنَاهُ الوَاسِعَتَانِ تَفِيضَانِ رُعْباً،ثُمّ شَدّ اِنْتِبَاهِي جُرْحٌ  غَائِرٌ يَنْزِفُ  فِي سَاقِهِ الخَلْفِيّة.

اِعْتَصَرَ قَلْبِي ألَمًا لِحَالِ القِطّ المِسْكِينِ  ، فَلَمْ أتَرَدّدْ لَحْظَةً  وَ غَطّيْتُهُ بِسُتْرَتِي ثُمّ حَمَلْتُهُ بَيْنَ ذِرَاعَيّ مُسْرِعاً إلَى المَنْزِلِ ،  وَ  فَوْرَ دُخُولِي، شَهقَتْ أمّي فَزِعَةً وَهِيَ تَرَى القِطّ الجَرِيحَ بَيْنَمَا اِقْتَرَبَ أبِي لِيَتَفَحّصَ الأمْرَ، وَعَقَدَ حَاجِبَيْهِ حِينَ رَأى حَالَةَ القِطّ المُزْرِيَةِ ،  فَرَجَوْتُهُمَا  بِلَهَفٍ : ” أبِي ، أمِّي  أرْجُوكُمَا .. هَلْ يُمْكِنُنَا مُسَاعَدَتَهُ؟ إنّهُ يَتَألّمُ بِشِدّةٍ.”

رَقّ قَلْبُ أمّي لِلْمَنْظَرِ، وَقَالَتْ وَهِيَ تُسْرِعُ لِإحْضَارِ عُلْبَةَ الإسْعَافَاتِ“: بِالطّبْعِ يَا حَبِيبِي، ضَعْهُ هُنَا بِرِفْقٍ.”

وَبَيْنَمَا كَانَتْ أمّي تُطَهّرُ جُرْحَهُ ، نَظَرَ إلَيّ أبِي وَقَالَ بِنَبْرَةٍ حَازِمَةٍ  مَشُوبَةً بِالعَطْفِ : “أنَا فَخُورٌ بِكَ يَا بُنَيّ، لَكِنْ إنْ أرَدْتَ الاِحْتِفَاظَ بِهِ فَيَجِبُ أنْ نَأخُذَهُ  غَداً إلَى الطبِيبِ البَيْطَرِيّ لِيُعَالِجَهُ  وَيَأخُذَ تَطْعِيمَاتِهِ اللازِمَةَ . ” 

هَتَفْتُ بِفَرِحٍ :”  شُكْرًا أبِي !… شُكْرًا أمّي !  ”

أقْبَلَ القِطّ بَعْدَهَا عَلَى الأكْلِ بِنَهَمٍ شَدِيدٍ وَكَأنّ الحَيَاةَ عَادَتْ إلَيْهِ مَعَ كُلّ لُقْمَةٍ.

 وَمَعَ مُرُورِ الأيّامِ ، تَبَدّلَ حَالَهُ تَمَاماً ؛ فَكَبُرَ حَجْمُهُ وَاكْتَسَى جِسْمُهُ فِرَاءً نَاعِمًاً وَنَاصِعًا  ، وَعَادَتْ إلَيْهِ حَيويّتُهُ ، فَصَارَ يَمْلأ البَيْتَ بَهْجَةً وَ مَرَحاً .

Vous aimerez aussi...

مكتبتي المنصة التعليمية
error: Content is protected !!